بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

قبل قرابة عام، خضنا جميعًا تجربة ريميك التحفة الفنية في عالم ألعاب الرعب: Silent Hill 2، وكانت تجربة لا يُمكن وصفها إلا بأنها ممتازة ومتكاملة. تجربة جعلتني أُصاب بالدهشة من الأداء الرائع الذي قدّمه استوديو Bloober Team في هذه اللعبة، وأعادت لي الثقة بهذا الفريق من جديد.
ولمن لا يعرف الكثير عن استوديو Bloober Team، فهو فريق شغوف بجنون بعالم ألعاب الرعب بجميع أنواعه ومدارسه.
مشكلتي الكبرى معه دائمًا كانت أن معظم ألعابه تركّز على المظهر أكثر من الجوهر، أو بعبارة أبسط: “الشكل أهم من المضمون”.
بإمكاني كتابة فقرة كاملة أنتقد فيها طبيعة ألعابهم السابقة، لكن ما أود قوله هنا هو أن عملهم على ريميك Silent Hill 2 كان مختلفًا تمامًا.
كان واضحًا أنه عمل فريق شغوف بالجَنر، حصل أخيرًا على الفرصة ليُظهر موهبته الحقيقية.
ومنذ ذلك الحين، أصبح حماسي لأي مشروع جديد منهم مرتفعًا جدًا، إلى أن جاء الإعلان المنتظر عن لعبتهم التالية:
Cronos: The New Dawn
وياله من إعلان!
لعبة رعب بروح Dead Space؟
مع أجواء ساحرة ظهرت في العروض الدعائية وقتها؟
كل الإشارات حينها كانت إيجابية ومبشّرة.
وبإذن الله، سأُوضّح رأيي بشكل مبسّط وواضح في بقية هذه المراجعة.
أولاً: القصة والأجواء

لعبة Cronos: The New Dawn تقدم تجربة قصصية ذات طابع عبثي ومبهم، لا تعتمد على حبكة واضحة أو سرد تقليدي. القصة هنا أقرب إلى “فيب” غامض، تركز على الأجواء أكثر من تسلسل الأحداث أو المنطق السردي المباشر.
منذ البداية، تُرمى في عالم مدمر دون أي شرح مسبق، وتُترك لاكتشاف خيوط القصة بنفسك. ستجد معلومات مبعثرة على شكل كتب وملفات بيانات (Data) موزعة في أنحاء العالم، وهي الطريقة الأساسية لفهم ما حدث، ولماذا أصبح العالم بهذا الشكل. وكأنك تجمع قطع أحجية غامضة تكشف لك تدريجيًا طبيعة الكارثة التي وقعت.
الشخصية الرئيسية (The Traveler) تتكشف ملامحها ببطء، ومع مرور الوقت تلتقي ببعض شخصيات الـNPC القليلة، لكنها تؤدي دورها بفعالية ضمن أجواء الرعب. شيئًا فشيئًا تبدأ تفهم القصة الأعمق، وتتعرف على مصير “الأيتام” (Orphans)، وتفهم كيف انهار هذا العالم.
القصة لا تسعى لأن تكون مفهومة منذ اللحظة الأولى، بل تعتمد على التوتر والاستكشاف التدريجي. تعيش في عالم غامض ومقلق، وتُدفع للغوص فيه بحثًا عن المعنى، حتى إن لم يكن هناك وضوح كامل.
تنبيه بسيط لحرق خفيف:
حتى بعد كشف كل الأسرار والوصول إلى النهاية، قد يراودك شعور خفيف من خيبة الأمل:
“آه، هذا كل شي؟”
ليس لأن النهاية سيئة، ولكن لأن البُنية السردية الطويلة وبناء الحماس لم يقدما مكافأة قصصية بنفس القوة. النهاية جيدة، لكنها أبسط مما تتوقع، وربما تُشبه تقييم “6 من 10” من حيث التأثير والتميّز.
بمعنى آخر: بعد رحلة طويلة (اللعبة تأخذ حوالي 18 ساعة)، تشعر وكأن النهاية عادية مقارنة بما سبقها من غموض وتوتر وتشويق.
ثانياً: الرعب والتوتر

لعبة Cronos: The New Dawn تعتمد بشكل كبير على رعب الأجساد (Body Horror) أكثر من اعتمادها على أساليب الرعب التقليدي عبر المفاجآت (Jumpscares).
صحيح، هناك بعض الـjumpscares القليلة، لكنها ليست محور التجربة. التركيز الأساسي يكون على خلق شعور دائم بالقلق والاشمئزاز من خلال رؤية الوحوش المشوهة، الأجساد المندمجة ببعضها، والأشكال اللحمية التي تتحرك بطريقة مقلقة.
الأجواء هنا تشعرك بأنك داخل عالم كابوسي بالكامل، حي ومريض في آنٍ واحد.
مع الوقت، قد تبدأ بالتعود على هذه المناظر، ويخف التأثير قليلاً، لكن التوتر يظل حاضرًا.
وما يعمق هذا الرعب هو دمج هذه الكائنات داخل سياق القصة: فهي ليست وحوشًا عشوائية، بل كانت في الأصل “بشر” تحولوا إلى هذا الشكل، مما يضيف بعدًا نفسيًا وقصصيًا مظلمًا، ويجعل مصدر الرعب ليس فقط بصريًا، بل أيضًا عاطفيًا ووجوديًا.
من أبرز نقاط التميز في “Cronos: The New Dawn” هو الإخراج الفني المتقن، الذي يعزز من جو الرعب باستمرار.
اللعبة تدور في مستقبل مدمّر، حيث تبدو المباني وكأنها تطفو أو تتحرك بفعل قوى غريبة، تضيف طابعًا سرياليًا وكأنك في كابوس كوني، مشابه لأجواء “كثولو” دون الحاجة لذكرها حرفيًا.
البيئات مصممة بعناية لتعزيز التوتر، مثل محطات القطارات المهجورة، حيث تُستخدم الإضاءة والألوان بطريقة ذكية لبناء جو خانق.
الأصوات أيضًا تلعب دورًا كبيرًا مثل أصوات الوحوش عند موتها وغيرها
كلها تعزز عنصر الرعب، وخصوصًا الأصوات المصاحبة لتحطم أجساد الأعداء، حيث يمكنك دعسهم ومشاهدة أجسادهم تتكسر في مشاهد تعزز طابع الـbody horror.
رغم كل العناصر المرعبة، والأجواء المتقنة، والإخراج المبهر، إلا أن هناك إحساس ناقص يرافق التجربة.
كأن اللعبة – أحيانًا – تركز على “الستايل” أكثر من “الجوهر”.
القصة نفسها ليست سيئة، بل “جيدة” فقط. لكنها لا تصل إلى العمق أو الهدف السامي الذي تجده في ألعاب رعب كلاسيكية مثل Silent Hill، حيث كل تفصيلة في التصميم تخدم قصة أعمق وذات مغزى نفسي وفلسفي.
بمعنى آخر، الغموض يخدم الرعب، لكن لا يخدم القصة دائمًا.
تحس أحيانًا أن فريق الإخراج كان مهتمًا أكثر بخلق تجربة بصرية مبهرة، بدلاً من بناء عالم غني المعنى.
وهذا قد يترك بعض اللاعبين بشعور أن اللعبة رائعة شكليًا، لكنها تفتقد إلى العمق.
ثالثاً: أسلوب اللعب (Gameplay)

أسلوب اللعب في Cronos: The New Dawn مستوحى بشكل واضح من سلسلة Dead Space، لكن للأسف، يفتقد إلى الروح والمتعة التي ميّزت السلسلة الأصلية.
تشعر وكأن المطورين أخذوا الميكانيكيات فقط، دون فهم ما يجعلها فعلاً ممتعة ومُرضية.
الشوتينغ في اللعبة ضعيف وغير محفز، خصوصًا لمحبي الجيمبلاي الثقيل اللي يخلّيك تندمج بالساعات. ببساطة، اللعبة ما تخلق ذاك الشعور اللي يخليك مستمتع وأنت تواجه الأعداء واحدًا تلو الآخر.
اللعبة تروج لنفسها على أنها لعبة Resource Management، وهذا صحيح إلى حدٍ ما.
غالبًا ما تضطر لاتخاذ قرارات:
هل تصنع ذخيرة (Ammo) أو علاج (Health)؟
أي نوع من الذخيرة هو الأنسب لهذا العدو؟
لكن بالرغم من ذلك، البيئة الخطية للعبة تُفقد هذا النظام عمقه.
ما عندك حرية في التجاوز أو التسلل مثل Resident Evil أو The Evil Within.
أغلب الوقت، أفضل خيار هو القتال المباشر، لأن الهروب أو المناورة شبه مستحيلة.
من الأفكار اللي حاولت اللعبة تقديمها هو نظام الدمج (Merging):
العدو يقدر يندمج مع جثة في البيئة ويصير أقوى، فكرة رائعة على الورق…
لكن في التطبيق، العالم الخطي وعدم وجود مساحات لعب حرة يخلي هذا النظام غير فعّال أو مؤثر.
بل إن اللعبة توفر وقودًا لا نهائيًا لحرق الجثث من محطات معينة، مما يجعل فكرة منع الدمج مجرد مهمة روتينية مرهقة أكثر من كونها تحديًا استراتيجيًا.
تشعر أن اللعبة حاولت تدمج بين ميكانيكيات Dead Space وتصميم أعداء مستوحى من Silent Hill، لكن النتيجة ما كانت متجانسة.
لا يوجد عمق حقيقي في أسلوب اللعب، ولا مرونة في الاستجابة للمواقف.
كأن اللعبة تحاول تكون شيء معين، لكنها ما توصل له بشكل متقن.
اللعبة تقدم نظام تطوير مشابه لألعاب الرعب اللي فيها عناصر RPG خفيفة.
عندك إمكانية تطوير الدرع (Armor) لرفع:
طاقتك
سعة الحقيبة
عدد الخانات
لكن المشكلة؟
معظم التطويرات تدور حول الحقيبة فقط.
في بداية اللعبة، سعة الشنطة صغيرة جدًا، وتجبرك أنك تستثمر كل نقاطك تقريبًا على توسعتها.
وتصبح مضطرًا لإهمل باقي الترقيات، لأنك تحتاج تحمل:
أسلحة.
ذخيرة.
علاج.
أدوات أساسية لحل الألغاز (Key Items).
فتحس إنك طول اللعبة مركز على شيء واحد بس:
كبر الحقيبة.

على الجانب الآخر، تطوير الأسلحة يقدم تجربة أكثر إرضاءً.
تقدر تطور:
قوة السلاح.
حجم المخزن.
سرعة التلقيم.
معدل إطلاق النار.
هذا النظام يجعلك تشعر مع الوقت انك تصبح أقوى فعلاً وأكثر فاعلية، ويمكنك مواجهة الأعداء براحة أكبر، خصوصًا لما تركز على تطوير سلاحك المفضل. نظام التطوير في Cronos: The New Dawn فيه لمحات ممتعة، خصوصًا في جانب الأسلحة.

لكن يظل الشعور العام أن التجربة فيها نقص بالمرونة والابتكار.
اللعبة تحاول تكون مزيجًا من عناوين رعب معروفة، لكن ينقصها التوازن، وتغيب عنها الهوية الواضحة في أسلوب اللعب.
رابعاً: تصميم المراحل

رغم أن المراحل في Cronos: The New Dawn تتبع تصميمًا خطيًا (Linear) من حيث التقدم وقتال الأعداء، إلا أن اللعبة تحاول تكسر هذا الخطّية من خلال مناطق سرية وألغاز ذكية.
في كل منطقة تقريبًا، تلاقي بابين أو ثلاثة مخفيين، ووراءهم موارد وأدوات تطوير مثل القطع الخاصة بترقية الحقيبة.
هذا يخلق نوعًا من الدافع للاستكشاف، ويكافئ اللاعب الفضولي بذخيرة أو أدوات علاج إضافية.
الألغاز مصممة بشكل ذكي، تخليك تربط بين عدة أبواب ورموز موزعة في المرحلة.
مثلاً، تلاقي رمز في منطقة، ثم ترجع تفتحه في باب ثاني بعيد.
لكن هذا النوع من التصميم يبدأ يفقد متعته مع الوقت، والسبب الرئيسي هو:
كِبر حجم المراحل أكثر من اللازم.
بطء حركة البطل بشكل مزعج.
غياب ميني ماب واضح يساعدك في التنقل.
لو ضعت أو رجعت لمنطقة قديمة، تشعر وكأنك تعيد نفس المشي البطيء الممل مرة ورا مرة.
والتصميم المتكرر في بعض المناطق يزيد الطين بلّة، لأنك تحس إنك شفت المكان هذا قبل شوي.
واضح إن النية كانت إنك ترجع لنفس المكان لفتح اختصارات (shortcuts)، لكن التطبيق خلا التجربة مملة أكثر من كونها ذكية.
ببساطة، الاستكشاف يبدأ ممتع ومحفز، لكن ينتهي إلى تجربة مرهقة ومستهلكة بسبب غياب أدوات تسريع الحركة وتكرار البيئات.
الإيجابيات
+ اللعبة تقدم ألغازاً ممتعة تتطلب الاستكشاف، وفيها أبواب سرية تكافئ اللاعب بالموارد إذا بذل جهد إضافي.
+ هناك جهد في تقديم أجواء رعب تعتمد على الـbody horror وبعض الأفكار الجديدة مثل الـmerging، حتى لو لم تكن مثالية.
+ تطوير الأسلحة والقدرة على تحسينها يعطي شعوراً بالتقدم ويضيف متعة في القتال.
+ فيها لمسات إخراجية جيدة من ناحية التصاميم والأجواء العامة، تعطي انطباعاً إن الفريق حاول يخلق جو مميز.
+ بالمقارنة مع ألعابهم السابقة مثل The Medium وBlair Witch، تعتبر “Cronos” تحسّن ملحوظ ولو أنه ليس كافياً.
السلبيات
– العالم خطي وغياب المرونة في المواجهات يجعلك تشعر أن اللعبة تفرض عليك نمطاً واحداً، ما يقلل من إمكانية الإبداع في اللعب.
– تصميم المراحل مرهق ومتكرر والمراحل أكبر من اللازم أحياناً، ومع إعادة استخدام التصاميم والسير البطيء، يصبح الاستكشاف مملاً ومتعباً بمرور الوقت.
– رغم الكثير من المحاولات، إلا أنك تشعر أن اللعبة “شكل أكثر من المضمون” ولا يوجد بها عمق كافي في القصة أو التجربة.
– نظام الدارة الموارد غير متوازن من ناحية التركيز الزائد على توسيع الحقيبة مما يجعل باقي التطويرات أقل أهمية، ويظهر أن التوازن في تصميم الموارد لم يكن مدروساً جيداً.
– قصة أقل من المتوقع للعبة تركيزها الأساسي القصة
الخلاصة
في النهاية، Cronos: The New Dawn تمثّل خطوة للأمام لفريق Bloober Team، خصوصًا عند مقارنتها بأعمالهم السابقة مثل The Medium وBlair Witch. اللعبة تحتوي على أفكار جيدة، ولمحات من الطموح والرغبة في التميز، سواء من ناحية الأجواء أو الأنظمة. لكن للأسف، تعاني من قلة الخبرة في التنفيذ، وكأن المطورين لم يختبروا التجربة بأنفسهم بشكل كافٍ لصقل العيوب وتحسين الإيقاع العام. شخصيًا، قد تكون توقعاتي مرتفعة جدًا بسبب تجربتي الأخيرة مع Silent Hill 2، وهذا جعل الفجوة أوضح بين الطموح والنتيجة. Cronos لا ترتقي لنفس مستوى العمق أو الإتقان، لكنها ما تزال محاولة جيدة.
6/10
- 0 Comment
- مراجعات
- 3 سبتمبر,2025


