كانت Zero Parades واحدة من الألعاب التي شدتني حرفيًا من أول إعلان لها، وتحملت لها حماسًا كبيرًا جدًا، لكن بنفس الوقت كان عندي تخوف واضح. ليس لأن فكرة اللعبة ما عجبتني أو لأن العروض الدعائية كان فيها مشاكل، بالعكس تمامًا، كل شيء كان ممتازًا ويحمس، لكن مصدر خوفي الحقيقي كان كل الأخبار والمعلومات عن الأشياء التي صارت داخل الاستوديو خلال السنوات الأخيرة. هذا الشيء خلاني أتساءل بيني وبين نفسي: شلون بيقدرون يقدمون لعبة توصل حتى لنصف مستوى Disco Elysium؟ نحن نتكلم عن لعبة استثنائية فعلًا، أو هل هذه اللعبة مجرد محاولة أخيرة لاستغلال اسم الاستوديو وتاريخه؟
اليوم وبعد ما يقارب 90 ساعة لعب، أقدر أقول لكم بكل وضوح إن اللعبة كانت واحدة من أكبر مفاجآت السنة بالنسبة لي وبكل سهولة. ومن البداية لازم أوضح نقطة مهمة، إذا كنت داخل اللعبة وأنت تبي نفس تجربة لعبة ثانية حرفيًا، فغالبًا راح تظلمها. صحيح أن اللعبة تعطيك شعورًا مألوفًا جدًا في البداية، خصوصًا خلال أول ساعاتها من ناحية الحوارات وطريقة الكتابة، لكن مع الوقت وبسرعة أيضًا تبدأ توضح لك أنها تحاول تبني هوية خاصة فيها وما تكون مجرد نسخة من شيء سبق وشفتَه.
أحس طولت بالمقدمة، فخلونا نتكلم عن الأشياء اللي عجبتني واللي ما عجبتني في اللعبة، وهل أصلًا تستحق وقتكم أو لا.

القصة

القصة هي أكثر شيء ستتعامل معه في اللعبة لأن الجزء الأكبر من التجربة قائم على الحوارات، وهذا شيء أعجبني جدًا، لأن القصة هنا ليست من النوع السهل أو المباشر، بل من النوع الذي يكافئك كلما تعمقت فيه أكثر. في البداية، أنت حرفيًا لا تفهم ماذا يحدث حولك وما الذي يجري أصلًا، وللتوضيح هذا جزء مقصود من التجربة وليس لأنني شخصيًا لم أفهم شيئًا ههههه. والأجمل أن هذا منطقي جدًا من الناحية القصصية أيضًا.
بطلتنا هيرشل التي تلعب بها تمر بالحالة نفسها، فهي شخصية لا تعرف تمامًا ما الذي يفترض أن تفعله وتحمل ماضيًا ثقيلًا ومتعبًا يؤثر عليها نفسيًا وعلى كل ما تفعله في الحاضر، وهذه نقطة أحببتها جدًا في الشخصية. اللعبة لا تكشف لك ماضيها دفعة واحدة، بل تبنيه تدريجيًا وبإيقاع ممتاز جدًا، وهذا جعلني أتعلق بالشخصية أكثر مع مرور الوقت. وكما هو الحال في أي لعبة RPG ممتازة، شخصيتك ليست ثابتة بالكامل، بل لديك حرية في تشكيل جزء من هويتها من خلال اختياراتك، كيف تتحدث؟ كيف تتعامل مع الناس؟ كيف تتصرف في المواقف المختلفة؟ كل هذا يعود لك، وهذا يجعل ارتباطك بالشخصية أقوى بكثير. بإمكانك أن تجعلها ذكية، باردة، مترددة، أو حتى غريبة الأطوار ضمن حدود منطق الشخصية طبعًا، وهذا شيء ممتع جدًا في لعبة بهذا الحجم.
والأجمل أن فكرة كونك جاسوسًا ليست مجرد عنوان للقصة، بل شيء حاضر في كل جزء من التجربة. طريقة تفكير هيرشل، أسلوب تعاملها، نوع القرارات التي تتخذها، المخاطر التي تواجهها، وحتى اللحظات التي تضطر فيها للتسلل أو تنفيذ أمور سرية، كلها تخدم هذا الجانب من شخصيتها بشكل ممتاز.
أما العنصر الثاني الأهم بعد البطلة فهو المدينة نفسها، Portofiro. أحببت هذه المدينة جدًا، فهي ليست مجرد مساحة كبيرة تمشي فيها، بل مكان حي تشعر بأنه جزء أساسي من السرد نفسه. أحيانًا تخبرك اللعبة أن تتحدث مع شخص في مكان معين لأنه أكثر أمانًا، أو تحذرك من استخدام هاتف معين في شارع محدد وتوجهك إلى هاتف آخر، أو تجد مبنى مغلقًا فتضطر للبحث عن مدخل سري من مكان آخر. هذه التفاصيل تجعل المدينة تبدو وكأنها تتفاعل معك فعلًا وليست مجرد خلفية للأحداث.
ثم نصل إلى الشخصيات، اللعبة مليئة بعدد ضخم جدًا من الشخصيات، وهو أمر يناسب حجمها الكبير. هل جميعهم ممتازون؟ لا، لكن كمحصلة عامة عدد كبير جدًا منهم علقوا في ذاكرتي. القاسم المشترك بينهم أنهم جميعًا غريبو الأطوار بطريقة أو بأخرى، ومع بطلة غريبة مثل هيرشل ينتج عن هذا حوارات ممتعة جدًا. هناك شخصيات من أول لقاء تشعر أنك تريد الحديث معها أكثر، مثل بائع الأغاني الذي لا يتوقف عن التفلسف، أو مجموعة الشيوخ الذين يمنحونك شعورًا وكأنك مررت على مجلس حي شعبي، أو ذلك الطبيب الذي يجعلك تشك أنه هو من يحتاج إلى طبيب أصلًا. هذه الشخصيات هي التي تجعل العالم حيًا فعلًا.
والأجمل أن الشخصيات لا تتعامل معك بمنطق “خذ المهمة ثم اختفِ”، بل لديها روتين داخل المدينة وعلاقات ببعضها البعض، وقد ترى شخصية تعرفها تظهر داخل مهمة تخص شخصية أخرى. بل أحيانًا علاقتك السابقة مع شخصية معينة قد تغيّر بالكامل شكل موقف لاحق تحتاجها فيه، وهذه النوعية من الترابط في العالم تصيدني دائمًا، وهي واحدة من الأشياء التي جعلتني أعشق Disco Elysium وKingdom Come.أما القصة الأساسية نفسها فأجمل ما فيها أنها لا تتوقف عن البناء، هناك أكثر من لحظة جعلتني أغيّر جلستي وأقول لحظة… اللعبة فعلًا ممتازة؟ وأكثر ما أعجبني أن بعض القرارات أو التصرفات التي قمت بها بشكل عشوائي أو داخل مهمة جانبية ظهر لها تأثير حقيقي لاحقًا داخل أحداث رئيسية، وهنا فعلًا شعرت أن كل ما أفعله له وزن، وأن اختياراتي في Zero Parades ليست مجرد ديكور، بل لها أثر حقيقي.
أسلوب اللعب

أوكي، الآن نتكلم عن شيء أنا أعشقه بكل أنواعه، اللعب نفسه، وإذا كان هناك شيء اصطادني فعلًا في هذه اللعبة وعلق في ذهني، فسيكون النظام الجديد الذي قدمته. لأن الألعاب التي يكون أغلبها حوارات تقدر تكون ممتعة، نعم، لكن الألعاب التي تستطيع أن تجعلك تشعر بما يُكتب وتعيشه، هذه بالنسبة لي في مستوى أعلى.
الزبدة، لازم أتكلم عن نظام Dramatic Encounters، لأنه على الأغلب أكثر شيء أعجبني في اللعبة.
فكرته ببساطة أن هناك لحظات بدلًا من أن تستمر الأمور كحوار طبيعي، اللعبة فجأة توقف كل شيء وتحطك داخل موقف لازم تتصرف فيه فورًا وخلاص.
يعني تخيل أنك تتحدث بشكل طبيعي، وفجأة… واحد يلاحقك، أحد يصوب عليك من بعيد، أو أي مشكلة انفجرت أمامك، هنا اللعبة توقف الزمن وتعطيك غالبًا ثلاث خيارات.
وهنا تبدأ المتعة الحقيقية.
تبي تدرس الوضع أولًا؟ تبي تختار الهروب؟ تبي تواجه الخطر مباشرة؟
والأجمل أن كل خيار يفتح لك خيارًا ثانيًا، ثم ثالثًا، ويمكن حتى رابعًا، والوقت قاعد يمشي ويضغط عليك.
هذا النظام ذكرني جدًا بأجواء Hunter x Hunter، خصوصًا لحظات التوتر العالية وأنت تشوف الوقت وكأنه واقف وتحلل كل احتمال قبل تتخذ قرارك.
الشعور هنا رهيب جدًا، لأنك ما عدت مجرد شخص يقرأ حوارات، بل قاعد تعيش الموقف لحظة بلحظة، وخيارك فعلًا هو اللي يحدد وش بيصير.
أذكر أكثر من موقف جلست فيه حرفيًا خمس دقائق كاملة أطالع الخيارات قدامي وأفكر بجدية شديدة، لأنني كنت قادرًا أتخيل المصيبة اللي ممكن تصير لو اخترت الخيار الخطأ.
ياخي أنا أحب الحرية والخيارات في الألعاب بشكل جنوني، وهذا النظام بالنسبة لي هو أهم عنصر في هوية اللعبة الجديدة، والأجمل أنهم استخدموه في أماكن كثيرة جدًا وبشكل ممتاز.

شيء ثاني أعجبني جدًا هو بناء الشخصية.
عدد القدرات التي تطورها هنا صار أقل، وهذا شيء أراحني شخصيًا، لأن اختيار ماذا تطور لم يعد مرهقًا كما كان، ومع ذلك لا تزال كل قدرة تمتلك شخصيتها الخاصة وتتحدث معك داخل الحوارات بنفس الأسلوب الجميل اللي أحببناه، لكن هذه المرة صارت القدرات موجهة أكثر لتناسب كونك جاسوسًا بدلًا من محقق.
أيضًا نظام الموارد تغيّر بالكامل، وصار عندك ثلاث حالات رئيسية لازم تراقبها:
Fatigue
Anxiety
Delirium
وكل واحدة منها تعكس جانبًا واضحًا من حالتك.
قلت شيئًا غلط في حوار؟ القلق يرتفع.
سويت شيء متعب؟ التعب يزيد.
وهكذا.
المشكلة أن هذه الحالات إذا وصلت للنهاية، راح تخسر نقطة قدرة كاملة، يعني تعب تطوير كامل ممكن يروح بسبب قرارات سيئة، وهذا يخليك تلعب بحذر وتركيز أكبر فعلًا عشان ما تجيب العيد.
طبعًا تقدر تقلل هذه الحالات بطرق مختلفة، مثل التدخين أو الشرب… أعوذ بالله… أو الحل الحضاري، تأخذ ميلاتونين وتنام، ولما تقوم تكون حالتك النفسية والجسدية أفضل.
والجميل هنا أن النوم مو مجرد زر لإنهاء اليوم، لأن المدينة أصلًا تبقى عايشة حتى بالليل، وفيه شخصيات ومهمات ما تظهر إلا وقت الليل، وبعض الأماكن أسهل تدخلها بعد حلول الظلام بدون ما أحد يصيدك.
فعشان جذي، النوم نفسه يصير قرار استراتيجي بيدك.
هل تنام لأن شخصيتك تعبت؟ أو تضحي بحالتك لأن فيه شيء ممكن يفوتك؟
كل شيء يحتاج تخطيط، وكأنك فعلًا جاسوس.
حتى الفلوس لها استخدامات لطيفة، سواء لشراء أشياء استهلاكية أو ملابس جديدة، فبشكل عام حسيت نظام الموارد مستخدم بشكل ممتاز جدًا.

لكن أجمل نقطة في القيمبلاي، واللي ذكرتها قبل وسأكررها، هي الحرية الهائلة بالخيارات.
أنا فعلًا مو مستوعب كمية الحلول اللي تعطيك إياها اللعبة بكل موقف تقريبًا.
وهذا مو مجرد وهم تصميمي، لا، حرية حقيقية فعلًا.
مثلًا، كان فيه موقف لازم أدخل فيه سرداب بمنطقة معينة.
بإمكاني ببساطة أدخل من الباب الأمامي، أو أخلص مجموعة مهمات جانبية عشان أتعلم معلومات سرية تفتح لي مدخلًا مختلفًا بالكامل.
كل الطرق تؤدي إلى نفس الهدف، لكن الطريقة اللي أوصل فيها هي قراري أنا.
وهذا النوع من الحرية ذكرني فعلًا بألعاب Black Isle القديمة، وهذا مدح ضخم جدًا بالنسبة لي.
وهذا مجرد مثال واحد من أمثلة كثيرة جدًا، لأن الحرية ما تتوقف عند طريقة الدخول فقط، بل حتى بعد دخولك تقدر تتعامل مع الأمور بالطريقة اللي تناسبك.
أحيانًا كنت أتخذ قرارًا وأقول بيني وبين نفسي: لا يكون فعلًا جبت العيد؟ ههههه.
وهذه بالنسبة لي أجمل أنواع الحرية، الحرية اللي تخليك تفكر، تقلق، وتتحمل نتائجك
طبعًا اللعبة تعتمد بشكل كبير على نظام النرد، وكأنك فعلًا تلعب Tabletop RPG حقيقية.
وبصراحة؟ موضوع الحظ ما أزعجني أبدًا.
بالعكس، رؤية الرقم المطلوب لتحقيق النجاح كانت ممتعة، لأنها تخليك واعيًا بالمخاطرة، وحتى تعطيك خيار إن كنت من النوع اللي يحب الحفظ وإعادة المحاولة.
فيه ناس ممكن ما يعجبهم أن خيارات كثيرة تعتمد على RNG، لكن شخصيًا ما فرق معي إطلاقًا واستمتعت جدًا.
لأن حتى لما تخسر الرمية، اللعبة غالبًا ما تعاقبك بشكل مزعج، بل أحيانًا تكافئك بنصوص مضحكة أو مواقف ممتعة تخليك ما تتحسف كثير.

وبكرر شيء قلته قبل، لكن يستاهل الإعادة.
أكثر شيء أعجبني فعلًا هو الحرية.
كل خيار كنت أتخذه حسيت أن له وزنًا، وكل قرار خلاني أحس أنني أعيش فعلًا دور جاسوس… وبأفضل طريقة ممكنة..

الإيجابيات
كتابة ممتازة جدًا للقصة، الشخصيات، والحوارات، وقدرتها على شدك طوال التجربة.
نظام Dramatic Encounters كان فكرة عبقرية وأتمنى أن أرى ألعابًا أخرى تستفيد من هذا النوع من التوتر وصناعة القرار.
حرية كبيرة جدًا في الخيارات والتعامل مع المواقف، بشكل يذكر بألعاب الجينرا الكلاسيكية المحبوبة.
المدينة نفسها كانت عنصرًا أساسيًا في التجربة، لدرجة أنك تشعر وكأنها شخصية حقيقية داخل اللعبة وليست مجرد مكان للأحداث.
السلبيات
البداية قد تكون مربكة جدًا، وهذا قد يجعل بعض اللاعبين يشعرون بالضياع أو يفقدون ارتباطهم بالتجربة مبكرًا.
ليست كل المهمات الجانبية بنفس مستوى الجودة، وبعضها أضعف بشكل واضح من غيره.
الخريطة كانت تحتاج تفاصيل أوضح ومعلومات أكثر عملية، بدل الاكتفاء بعرض صور أو أسماء لا توضح كل ما هو موجود بشكل كافٍ.
الخلاصة
لم أتوقع أن أقول هذا، لكن Zero Parades كانت واحدة من أكبر مفاجآت السنة بالنسبة لي.
وليس لأنني كنت أتوقع منها أن تكون سيئة، بالعكس، كنت متحمسًا لها جدًا لكن بنفس الوقت كان عندي تخوف واضح، خصوصًا بعد كل ما حدث مع الاستوديو، لأن السيناريو الأسهل كان أن نحصل على لعبة تعيش فقط على الاسم والإرث السابق دون أن تقدم شيئًا حقيقيًا، وتخرج كتجربة مخيبة جدًا.
لكن الذي حصل كان العكس تمامًا.
اللعبة خرجت واثقة من نفسها، تعرف بالضبط ما الذي تريد أن تكونه، والأهم أنها نجحت في أن تصبح ذلك.
قدمت لي قصة غنية، مدينة ممتعة جدًا في الاستكشاف، شخصيات ولحظات غريبة وعبيطة أحيانًا لكنها من النوع الذي يعلق في الذاكرة، وبنفس الوقت قدمت واحدة من أكثر التجارب التي جعلتني متوترًا وأنا ألعب منذ فترة طويلة جدًا.
إذا كنت من الأشخاص الذين يحبون ألعاب RPG التي تمنحك حرية كاملة، وتقول لك ببساطة: افعل ما تريد وتعامل مع النتائج، فهذه لعبة يجب أن تلعبها.
9.5/10
- 0 Comment
- مراجعات
- 18 مايو,2026
