بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

أنا من الأشخاص الذين يعشقون ألعاب الـ Soulslike ويستمتعون بألعاب الأكشن بمختلف أنواعها، وتحديدًا سلسلة Nioh التي تحتل مكانة خاصة جدًا في قلبي. فقد كانت Nioh 1 و Nioh 2 من أكثر الألعاب التي تعلّقت بها بشكل غير طبيعي، أما Nioh 2 على وجه الخصوص فكنت أعدّها من قمم هذا النوع، بل لعبة يمكنني أن أصفها بثقة تامة بأنها Soulslike مكتملة العناصر.
لطالما كنت من محبّي استوديو Team Ninja، منذ أيام Ninja Gaiden وحتى أعمالهم الحديثة مثل Strangers of Paradise وWo Long وRise of the Ronin. لعبت تقريبًا كل ما قدموه، وكنت أتابع عن قرب كيف يسعى الاستوديو إلى التجربة والتوسّع واختبار أفكار جديدة من لعبة إلى أخرى، باحثًا عن تطوير هويته وصقل أسلوبه.
كانت Strangers of Paradise تجربة ممتازة وممتعة جدًا على مستوى نظام القتال، بينما حملت Wo Long أفكارًا جميلة رغم ما شابها من عيوب. أما Rise of the Ronin فقد أثبتت قدرتهم على تصميم مناطق واسعة وأجواء شبه عالم مفتوح مليئة بالأنشطة والتفاصيل.
بعد كل تلك التجارب والتوسّع التدريجي، عادوا إلينا بـ Nioh 3. وهنا برز السؤال الحقيقي:
هل استطاعت أن تمثل نقلة فعلية في السلسلة؟
هل تمكنت من التفوق على Nioh 2 التي أعتبرها القمة؟
وهل كانت فعلًا تستحق كل هذا الانتظار؟

أولاً: القصة
سأبدأ بالحديث عن القصة، لأنها بالنسبة لي أضعف عناصر اللعبة. وهذا لا يعني أن قصص سلسلة Nioh سيئة، بل على العكس؛ فقد امتلك كل من Nioh 1 وNioh 2 خطًا دراميًا واضحًا ومترابطًا، وكان لـ Nioh 2 على وجه الخصوص لحظة ختامية مؤثرة فعلًا، خاصة في مواجهة الزعيم الأخير.
أما Nioh 3 فمشكلتها الأساسية أنها تبدو مترددة في تحديد اتجاهها الدرامي. الفكرة المحورية ممتازة من حيث المبدأ؛ إذ تأخذك اللعبة في رحلة عبر ثلاث حقب تاريخية مختلفة: حقبة Sengoku، وحقبة Heian، وحقبة Bakumatsu. وعلى الورق تبدو هذه الفكرة مغرية للغاية، بل طموحة أيضًا، لكن التنفيذ هو ما خيّب أملي.
التنقل المستمر بين الأزمنة جعل من الصعب عليّ الارتباط بأي شخصية. أدخل منطقة جديدة، أتعرف على شخصيات تاريخية مهمة، أشاركهم بعض المهام أو جزءًا من القصة، ثم فجأة أجد نفسي أنتقل إلى عصر آخر. كثير من المشاهد تنتهي قبل أن أشعر بأنها بدأت فعلًا. لا توجد مساحة كافية للعيش مع الشخصيات أو التعمق في دوافعها وتطورها.
الصراع بين الأخوين كان من الممكن أن يكون محورًا قويًا ومؤثرًا للغاية، لكنه لم يُقدَّم بالمستوى الذي يليق به. أما الشرير الرئيسي فبدا هدفه سطحيًا، ولم أستطع التعمق في شخصيته أو الشعور بثقل حقيقي لوجوده وتأثيره. في نهاية المطاف، شعرت أن القصة ليست سوى وسيلة تربط بين الحقب الزمنية المختلفة، أكثر من كونها تجربة درامية متكاملة ومتماسكة.
وبالمقارنة مع Nioh 1 وNioh 2، فإن المستوى هنا أقل بشكل واضح.

ثانياً: أسلوب اللعب (Gameplay)
لكن ما إن تدخل إلى أسلوب اللعب حتى تتذكر فورًا سبب حبك لهذه السلسلة من الأساس. فقد كانت Nioh دائمًا، في رأيي، أقوى ألعاب الـ Soulslike من ناحية الجيمبلاي، وNioh 3 تواصل هذا النهج وتطوره بصورة واضحة.
لا يزال نظام الـ Ki Pulse يمثل العمود الفقري للقتال. فكرة استعادة طاقة التحمل في التوقيت الصحيح بعد الهجوم تمنح المعارك إيقاعًا خاصًا للغاية، وتجعلك في حالة تركيز دائم، تراقب كل حركة تقوم بها. الضرر مرتفع، والخطأ يُعاقَب بقسوة، وعليك أن تتابع خصمك وتفهم إيقاعه بدقة إن أردت النجاة.
أبرز إضافة في هذا الجزء كانت أسلوب النينجا. وعندما نتحدث عن النينجا، فإن Team Ninja يعرفون تمامًا كيف يقدمونه. أسلوب النينجا يختلف كليًا عن أسلوب الساموراي؛ فهو لا يعتمد على نظام الوضعيات (Stances)، بل يقوم على سرعة عالية جدًا، ومراوغات سريعة، وضربات خاطفة ذات طابع استعراضي ممتع حتى لمن يشاهد القتال. الضربات من الخلف تمنح ضررًا مضاعفًا، وهناك ما يقارب ثمانية أسلحة مختلفة، يمكن تخصيص حركاتها وصناعة كومبوهات خاصة بك. ومع التقدم في اللعبة، تستطيع تجهيز سلاحين والتبديل بينهما خلال المعركة نفسها، مما يفتح مجالًا واسعًا للتنوع في أسلوبك القتالي.
تتوفر أيضًا ثلاث قدرات نينجيتسو، تمتلئ عداداتها كلما واصلت الهجوم، لتدخل في حلقة قتالية ممتعة: تهاجم، يمتلئ العداد، تستخدم القدرة، ثم تواصل الضغط على الخصم. ومع ذلك، لا تسمح لك اللعبة باللعب العشوائي؛ فمعدل استهلاك طاقة التحمل مرتفع جدًا، وأي اعتماد على الضغط العشوائي للأزرار يؤدي إلى الهزيمة سريعًا. أمام الوحوش، يُعد أسلوب النينجا فعالًا وسريعًا للغاية، أما في مواجهة الأعداء البشر، فيتطلب حذرًا أكبر، إذ إن كسر دفاعهم ليس بالأمر السهل.
في المقابل، يعود أسلوب الساموراي الكلاسيكي الذي عرفناه في الأجزاء السابقة، مع ثلاث وضعيات: Low وMid وHigh. تمنح وضعية High ضررًا أعلى، لكنها أبطأ وتنطوي على مخاطرة أكبر. أما Low فهي أسرع وأقل ضررًا، في حين تعد Mid وضعية متوازنة وممتازة لكسر طاقة الخصم (Ki). الساموراي أبطأ من النينجا، لكنه أقوى وأكثر صلابة في المواجهات المباشرة، ويعتمد على القراءة الدقيقة لتحركات الخصم واختيار الوضعية المناسبة في اللحظة الصحيحة.
أما التغيير الكبير الآخر فكان في نظام السحر. فبدل النظام التقليدي، أصبحت تحصل على Soul Cores من الأعداء، ثم تتوجه إلى الـ Shrine لتحويلها إلى Talismans تُستخدم كسحر. هذه الآلية جعلت أي بناء (Build) قادرًا على إدخال عنصر سحري دون التقيد بنمط واحد. شخصيًا، كنت أتنقل بين أسلوب الساموراي والنينجا والسحر في المعركة نفسها، مستفيدًا من جميع الأدوات المتاحة لي. وهنا تحديدًا يظهر الفرق في Nioh 3: فقد منحتك اللعبة أدوات أكثر من أي جزء سابق. لا تشعر بأنك مقيّد بأسلوب معين، بل بأنك تبني طريقتك الخاصة في القتال بحرية كاملة.

ثالثاً: تصميم المراحل والعالم
أما من ناحية تصميم العالم، فقد تخلّت اللعبة عن نظام المهمات المنفصلة الذي اعتدناه في الأجزاء السابقة، واتجهت إلى اعتماد نظام المناطق الواسعة (Regions). كل حقبة زمنية تمثل منطقة ضخمة مستقلة، وكل منطقة بدورها مقسّمة إلى عدة مناطق فرعية (Areas)، بحيث تشعر أن كل منطقة فرعية تكاد تكون مهمة متكاملة بحد ذاتها.
أُضيف كذلك نظام يُعرف بـ Exploration Level؛ فكلما استكشفت أكثر، تكشفت لك العناصر والأنشطة المتبقية في المنطقة. هذا النظام أراحني كثيرًا، إذ لم أعد بحاجة إلى الرجوع إلى دليل خارجي، ولم أشعر بالقلق من أنني قد فوتُّ شيئًا مهمًا.
الأجمل أن المناطق لم تبدُ فارغة أو بلا روح. دائمًا هناك قواعد للأعداء، ومهمات جانبية، وزعماء سريون، وترقيات ذات قيمة فعلية تؤثر على تقدمك. ولو أردت تشبيه التجربة، فهي أشبه بمراحل Nioh 1 وNioh 2، لكن بدل أن تختارها من قائمة، أصبحت مترابطة ومتصلة ضمن عالم واحد.
أما التنوع البصري والبيئي بين الحقب الثلاث، فهو واضح جدًا؛ إذ يمتلك كل عصر هوية مميزة وأجواء خاصة به، سواء من حيث المعمار أو طبيعة البيئة أو الإحساس العام الذي تنقله لك المنطقة.

رابعاً: الزعماء والمعارك
يظل الزعماء قلب التجربة وروحها الأساسية. تقسمهم اللعبة إلى فئتين رئيسيتين: الـ Yokai والبشر. هناك عدد من الأعداء العائدين من الأجزاء السابقة، لكن في المقابل تقدّم اللعبة عددًا كبيرًا جدًا من الأعداء الجدد، ولعل هذا الجزء يُعدّ الأغنى في السلسلة من حيث تنوع الخصوم.
الزعماء البشريون مميزون للغاية. لا يمكنك إسقاطهم في حالة شلل دائم (Stunlock) بسهولة، ويمتلكون قدرة على الصدّ العكسي (Deflect)، إلى جانب ذكاء اصطناعي قوي وضرر مرتفع. بعض هذه المواجهات كانت من أفضل لحظات اللعبة بالنسبة لي، لما تتطلبه من تركيز وقراءة دقيقة لتحركات الخصم.
أما زعماء الـ Yokai، فتصاميمهم لافتة ومليئة بالتفاصيل، ويبرز بينهم عدد من الزعماء السريين الذين يقدمون تحديات ممتعة وتجارب قتالية مميزة.
النقطة السلبية الوحيدة التي شعرت بها في جانب القتال هي أن مستوى الصعوبة يبدو أسهل نسبيًا مقارنة بالأجزاء السابقة. لكن السبب لا يعود إلى ضعف في تصميم الزعماء، بل إلى كثرة الأدوات والخيارات المتاحة لك. بإمكانك التعامل مع معظم المواقف بفعالية إذا أحسنت استخدام كل ما لديك من قدرات وأنظمة. شخصيًا، لم أتعثر أمام أي زعيم لفترة طويلة، لكنني أتفهم أن هذه التجربة قد تختلف من لاعب إلى آخر.

الإيجابيات:
+ أسلوب لعب عميق ومتقن، يقدّم تنوعًا واضحًا بين أسلوبي النينجا والساموراي، ويمنح اللاعب حرية كبيرة في بناء طريقته الخاصة في القتال.
+ تصميم مراحل ممتاز، ضمن عالم غني ومترابط، مليء بالتفاصيل والأنشطة التي تعزز تجربة الاستكشاف.
+ تنوع كبير في الزعماء، سواء من البشر أو الـ Yokai، مع تصاميم متقنة ومواجهات مميزة لكل منهم.
+ دعم اللغة العربية بمستوى جيد، سواء على صعيد الترجمة أو عرض النصوص، مما يسهل متابعة القصة وفهم الأنظمة المختلفة.
السلبيات:
– القصة أضعف مقارنة بالأجزاء السابقة، وتعاني من تشتت في الطرح وعدم تعمّق كافٍ في الشخصيات والصراعات.
– كثرة الأدوات والخيارات المتاحة تقلّل من مستوى التحدي، ما يجعل التجربة أسهل نسبيًا لمن يستغل جميع الأنظمة بفعالية.
– بعض المهمات الجانبية جاءت بمستوى دون المأمول، سواء من حيث التصميم أو التنوّع، ولم تضف قيمة حقيقية.
الخلاصة:
في نهاية المطاف، تبدو Nioh 3 وكأنها حصيلة خبرة Team Ninja المتراكمة عبر السنوات. فهي تجمع عمق نظام القتال الذي صقلوه في Strangers of Paradise، وتستفيد من بعض الأفكار التي قدموها في Wo Long، وتبني على تجربة المناطق الواسعة التي عملوا عليها في Rise of the Ronin. كما أن روح Ninja Gaiden حاضرة بوضوح في أسلوب النينجا، بينما يأتي أسلوب الساموراي كنسخة محسّنة وأكثر صقلًا مما رأيناه في Nioh 1 وNioh 2. اللعبة ككل تحاول أن ترسّخ لنفسها هوية مستقلة، لا أن تكون مجرد جزء ثالث يكرر ما سبقه.
بالنسبة لي، ورغم ضعف الجانب القصصي، فإن عمق التجربة القتالية والتنوع الكبير الذي تقدمه جعلاها واحدة من أفضل ألعاب هذا النوع في السنوات الأخيرة. إنها لعبة ممتعة للغاية، مليئة بالعمق والتفاصيل، وتستحق التجربة لكل من يعشق ألعاب الـ Soulslike أو الأكشن الثقيل وبداية خيرٍ لعامٍ جديد، وانطلاقة قوية تبشّر بسنة حافلة بالألعاب والتجارب المميزة.
التقييم:
9.5
- 0 Comment
- غير مصنف
- 18 فبراير,2026
