بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة
سلسلة فيتل فريم تُعد من السلاسل الفريدة في ساحة ألعاب الرعب، بل ومن أكثرها تميزًا في تاريخ الصناعة، حتى من وجهة نظري الشخصية.
في أغلب ألعاب الرعب، تبدأ ضعيفًا ثم تحصل تدريجيًا على الأسلحة النارية أو الأدوات القتالية لتواجه الأعداء. أما في فيتل فريم فالوضع مختلف تمامًا؛ إذ إن سلاحك ليس مسدسًا أو سكينًا أو أي أداة تقليدية، بل هو كاميرا فقط منذ البداية.
الفكرة بسيطة ومبتكرة، خصوصًا عند ربطها بتاريخ الكاميرات والمعتقدات التي ترى أنها أداة قادرة على التقاط الروح. لكن ما يميز فيتل فريم حقًا هو تحويل هذه الفكرة إلى ميكانيكية لعب حقيقية داخل التجربة.
وبما أنها لعبة رعب، ومع وجود توتر وخوف مستمرين، فإن اضطرارك للتوقف والتصوير بينما الشبح يقترب منك يصنع عنصر رعب فريدًا ومؤثرًا، وهو ما تميزت به السلسلة بشكل واضح. هذا الأسلوب جعلها تتفوق في تقديم الرعب النفسي والأجواء الثقيلة، على غرار ألعاب مثل Silent Hill و Siren.
إنه طرح مميز وقوي جدًا في عالم الرعب، بعيدًا عن أسلوب الـJump Scares الرخيصة.
ومن بين جميع أجزاء السلسلة، برز جزء الفراشة الفانية بسمعة استثنائية، ليس فقط بسبب أجوائه الغامضة، بل لأن قوته الحقيقية تكمن في طرحه القصصي المميز، ولهذا يعتبره الكثيرون أفضل جزء في السلسلة.
واليوم أود أن أتحدث عن إعادة تقديم هذا الجزء تحت اسم:
فيتل فريم ٢: الفراشة القانية
حيث نعود مرة أخرى إلى قرية Minakami الشهيرة بأحداثها المخيفة.
هدفي من هذه المراجعة هو الإجابة على سؤالين:
هل استطاع هذا الريميك أن يعيد لنا التجربة الأسطورية بشكل يليق بالجيل الجديد؟
وهل اللعبة، من الأساس، تستحق هذه المكانة فعلًا أم لا؟
أولاً: القصة والأجواء

أنا متأكد أنه لو سألت عشرة أشخاص عن أهم عنصر في اللعبة، فسيتفقون جميعًا على أن القصة هي الأهم.
فالقصة تُعد من أكثر القصص تأثيرًا في عالم ألعاب الرعب. تدور أحداث اللعبة حول الأختين Mio و Mayu. في بداية القصة، كانتا تزوران غابة اعتادتا اللعب فيها خلال طفولتهما، وخلال وجودهما هناك، قامت Mayu بملاحقة فراشة، وبالصدفة دخلتا إلى قرية مهجورة تُدعى Minakami.
ومنذ اللحظات الأولى، ستشعر بأن هناك أمرًا غير طبيعي. وكأنك داخل عالم Silent Hill؛ قرية مهجورة، منازل متهالكة، وظلام يلف المكان من كل جانب.
ما يميز القصة هو أن القرية نفسها تلعب دورًا محوريًا في الأحداث. فمع تقدمك في اللعبة، وأثناء بحثك عن أختك، تبدأ باكتشاف أن سكان القرية كانوا يقيمون طقوسًا غامضة بشكل دوري، وهي تفاصيل يُفضل عدم التعمق فيها لتجنب حرق الأحداث.
القصة تُقدَّم بأسلوب تدريجي ومتوازن، خصوصًا في النسخة المعاد تقديمها، من خلال النصوص التي تجدها على الأرض، والمذكرات التي كتبها سكان القرية في الماضي، إضافة إلى المهام الجانبية الجديدة التي منحت كل ساكن اسمًا وهوية خاصة، مما أعطى القرية طابعًا واقعيًا ومؤثرًا. أصبحت تعرف من كان يسكن كل منزل، ومن هم أفراد كل عائلة، وهو ما جعلك تشعر بأن المكان أكبر وأعمق مما يبدو عليه فعليًا.
ومع كل هذه التفاصيل، تبقى نجوم القصة الحقيقيون هما الأختان Mio و Mayu، وعلاقتهما القوية. فالقصة تُبرز بشكل واضح حبهما لبعضهما، ومحاولتهما النجاة والهروب من هذه القرية.
منذ البداية، تشعر بمدى اهتمام Mio بأختها، خصوصًا بسبب إصابة Mayu في ساقها، وكيف تساعدها أثناء التنقل. ومع تقدم الأحداث، تبدأ Mayu برؤية والتحدث مع أشياء غير موجودة، وهو ما يخلق تحولًا تدريجيًا في شخصيتها، ويؤثر بشكل واضح على Mio، ليُنتج قصة درامية مؤثرة بين الأختين داخل قرية Minakami المهجورة.
ومن العناصر التي تعزز قوة القصة بشكل كبير هو بناء الأجواء والرعب المحيط بك. فكون اللعبة تدور في قرية مهجورة منذ سنوات، ينعكس على كل تفصيلة فيها.
تصميم المنازل قديم، والممرات داخلها ضيقة، مما يجعلك دائم التوتر والخوف مما قد يظهر أمامك أو خلفك. الغرف تحمل آثار الزمن بوضوح، وتشعر وكأن شيئًا مرعبًا قد حدث فيها. من الواضح أن سكان القرية جميعهم قد لقوا حتفهم، لأي سبب كان.
وبين كل مواجهة مع الأشباح، يسود الهدوء، لكنه هدوء ثقيل. عند صعودك الدرج تسمع صرير الخشب، وكل تفصيلة صغيرة تُعزز شعور الوحدة، وكأنك عالق في هذا المكان ولا تريد سوى الهروب منه.
إنها تجربة مرعبة ومتكاملة، تم تنفيذها بإتقان شديد.
ثانياً: أسلوب اللعب و تصميم المراحل
من البداية، أودّ توضيح أن اللعبة تُعد تجربة رعب تقليدية في جوهرها. صحيح أن النسخة المعاد تقديمها أضافت بعض العناصر مثل نظام التحمل (Stamina) وغيرها من الإضافات الجديدة، إلا أن الأساس لا يزال تقليديًا.

لنبدأ بالحديث عن أبرز عنصر يميز اللعبة: الكاميرا.
الكاميرا في اللعبة تُعرف باسم Camera Obscura، وهي الأداة الأساسية التي تستخدمها لمواجهة الأشباح، إذ تمتلك القدرة على تصويرهم وإلحاق الضرر بهم أو تطهيرهم.
قد يتبادر إلى ذهنك سؤال: هل استخدامها يقتصر على التصوير فقط؟
الإجابة: لا.
في بداية اللعبة، تحتوي الكاميرا على نقاط حمراء تُسمى Focal Points. وكلما زاد عدد هذه النقاط التي تُصيب العدو أثناء التقاط الصورة، ازداد مقدار الضرر الذي يتلقاه. في أغلب الأحيان، ستنتظر حتى يقترب الشبح منك قبل التصوير لزيادة الضرر، وهذا بطبيعة الحال يجعلك في حالة توتر مستمر، لأنك تنتظر اللحظة التي يكاد فيها العدو أن يهاجمك.
بشكل طريف، يمكن تشبيه ذلك وكأنك تنفذ حركة “صدّ” أو Parry.
كما توجد تقنية داعمة لهذا الأسلوب تُعرف باسم Fatal Frame Shot، وهي التقاط الصورة في اللحظة نفسها التي يحاول فيها الشبح مهاجمتك. هذه الحركة تمنحه حالة شلل مؤقت (Stun) لفترة أطول وتسبب ضررًا أكبر. وإذا انخفضت طاقة العدو إلى حد معين بعد تنفيذ هذه الحركة، سيدخل في وضع يسمح لك بالتقاط عدة صور متتالية وإلحاق ضرر مضاعف به.
هذه الآلية تُشكّل الحلقة الأساسية لنظام القتال في اللعبة.
إلى جانب الكاميرا، هناك أنواع مختلفة من الأفلام (Films) يمكنك استخدامها، ولكل نوع سعة محدودة. كلما كان الفيلم أقوى، كان عدد اللقطات المتاحة منه أقل. كما يوجد فيلم أساسي غير محدود الاستخدام، لكنه ضعيف من حيث الضرر. هذا النظام يمنحك إحساسًا بإدارة الموارد، وهو عنصر مألوف في ألعاب الرعب.
بالإضافة إلى ذلك، يمكنك استخدام أربعة فلاتر مختلفة تحصل عليها تدريجيًا خلال اللعبة، ولكل فلتر استخداماته الخاصة في القتال والاستكشاف:
الفلتر الأساسي: لا يمتلك تأثيرًا مميزًا، لذا لا حاجة للتوسع فيه.
فلتر Perceptual:
من ناحية القتال، يسمح لك بإصابة الأعداء من مسافات بعيدة.
أما من ناحية الاستكشاف، فهو مهم جدًا، إذ يمكنك من خلاله رؤية بقايا الأشباح، ومتابعة أحداث من الماضي، مما يساعدك في حل الألغاز، اكتشاف أسرار مخفية، أو حتى تتبع Mayu عند فقدانها.
فلتر Exposure:
يتميز بضرر مرتفع، كما يمكنه إبطاء الأشباح أو إيقافهم مؤقتًا.
وفي الاستكشاف، يُعد من أهم الأدوات، إذ يمكنك استخدامه لإعادة التقاط صور قديمة في نفس الموقع والزاوية، مما يؤدي إلى فتح أبواب مغلقة، أو إنشاء مسارات جديدة، أو إظهار صناديق مخفية. ستعتمد عليه كثيرًا في حل الألغاز والمهام الجانبية والرئيسية.
فلتر Radiant:
من ناحية القتال، يمكن اعتباره أشبه بسلاح “Shotgun”، حيث يتطلب اقتراب الشبح منك جدًا، لكنه يسبب ضررًا عاليًا. تطوير هذا الفلتر وصناعة التعويذات (Charms) الخاصة به يجعل اللعبة أسهل بشكل ملحوظ.
أما من ناحية الاستكشاف، فهو يمنحك إحدى أهم القدرات، والتي تأتي للأسف في وقت متأخر من اللعبة. ستلاحظ أثناء اللعب وجود العديد من الأماكن المغلقة بدماء (أبواب، سلالم، كهوف، صناديق…). باستخدام هذا الفلتر، يمكنك فتح هذه العوائق. وعند الحصول عليه، يصبح من الممتع العودة إلى أنحاء القرية واستكشاف جميع الأسرار المخفية، وقد أصبح هذا الفلتر المفضل لدي شخصيًا.
إضافة إلى الفلاتر، يمكنك تطوير الكاميرا مع تقدمك في اللعبة. وأنصح بالتركيز أولًا على تطوير Focal Points، أما بقية التطويرات فيمكنك اختيارها حسب أسلوب لعبك.
ولا تقتصر قوة اللعبة على نظام القتال فقط، بل يمتد التميز إلى تصميم المراحل والألغاز.
نظرًا لأن أحداث اللعبة تدور بالكامل داخل قرية واحدة، ومع انتقالك المستمر بين المنازل، ستلاحظ مدى جودة تصميمها. توزيع البيوت متقن، وهناك توازن يجعل الاستكشاف طبيعيًا دون أن تشعر بأنك تائه في مساحة كبيرة بلا هدف.
كما أن التنوع في تصميم المنازل يعزز الإحساس بأنها كانت مكانًا حقيقيًا عاش فيه أناس في الماضي.
أما الألغاز، فغالبًا ما تعتمد على استخدام الفلاتر بطرق ذكية، أو على عناصر البيئة مثل جمع مفاتيح أو كتب، أو التفاعل مع أشياء معينة. معظمها ممتع ولا يسبب الملل، وهو أمر مهم جدًا في ألعاب الرعب.
حتى الأعداء، بفضل المذكرات والمهام الجانبية، تكتسب شخصياتهم عمقًا وخصوصية. لكل شبح سلوك مختلف؛ فالأطفال يهاجمون بسرعة أو يتحركون بطريقة غريبة، وهناك أشباح تزحف، وأخرى تختفي، وغيرها الكثير. هذا التنوع كان إضافة ممتازة.
كما توجد أشباح لا يمكن القضاء عليها، بل يتعين عليك الهروب منها، وهو عنصر أضاف توترًا وتجديدًا في التجربة، وجعلك تنتبه جيدًا لتصميم المكان من حولك لتتمكن من النجاة. وقد كان توظيف هذا العنصر ناجحًا للغاية، وأعجبني بشكل كبير.

الإيجابيات:
+ واحدة من أفضل القصص في ألعاب الرعب.
+ أجواء القرية تمنحك إحساسًا قويًا ومكثفًا بالرعب النفسي.
+ تصميم المراحل والمنازل من الداخل ممتاز جدًا.
+ جميع الأصوات في اللعبة متقنة، بدءًا من أدق التفاصيل وصولًا إلى الموسيقى التصويرية المستخدمة.
+ المحتوى الجديد مميز للغاية؛ إذ يضم أكثر من عشرين مهمة جانبية تضيف عمقًا وغنى كبيرين إلى عالم اللعبة.
+ أسلوب اللعب المعتمد على الكاميرا يقدم تجربة مختلفة ومنعشة مقارنة ببقية ألعاب الرعب.
+ إمكانية الإمساك بيد Mayu تضيف لمسة إنسانية جميلة وتعزز الارتباط العاطفي بين الشخصيتين، مما يزيد من تأثير القصة ويعمّق التجربة.
السلبيات:
– على الرغم من أن أسلوب اللعب فريد، إلا أنه في البداية يكون مرهقًا أكثر من كونه ممتعًا، ثم بعد نقطة معينة يصبح سهلًا جدًا لدرجة أنه يفقد تأثيره.
– اللعبة تفتقر إلى عنصر الخوف مقارنة بالنسخة الأصلية؛ ولا يوجد تفسير واضح لذلك، لكنها تبدو وكأنها أقل تأثيرًا، حيث يكاد الإحساس بالرعب يكون شبه معدوم.
– يمتلك الأعداء قدرًا من الصحة أعلى مما ينبغي، كما أن استخدام وضع Berserk Mode — حيث تتجدد طاقاتهم ويصبحون أكثر عدوانية — لا يُعد عنصرًا ممتعًا، خصوصًا عند دخول أكثر من عدو في هذا الوضع في الوقت نفسه، مما يجعل المواجهات مرهقة وغير متوازنة.
الخلاصة:
في النهاية كل ما فعله هذا الريميك هو أنه أثبت مع مرور الوقت أن اللعبة الأصلية كانت أكثر من ممتازة.
فالقرية إلى جانب علاقة الأختين قدّمت واحدة من أجمل التجارب والألغاز التي عشتها في عالم ألعاب الرعب منذ فترة طويلة جدًا أما الإضافات الجديدة في الريميك خصوصًا من ناحية القصص الجانبية التي توسّع عالم اللعبة فقد ساهمت في جعل التجربة أكثر غنى وجمالًا.
ورغم أن لدي بعض التحفظات البسيطة على نظام التطوير والقتال، فإن التجربة الكاملة كانت مميزة للغاية، وجعلتني متحمسًا لتجربة بقية أجزاء السلسلة، وآمل أن تحصل على المزيد من الريميكات بنفس هذا المستوى من الجودة.
وإذا كنت من عشاق تجارب الرعب الكلاسيكية مثل Silent Hill 2، فهذه اللعبة ستكون مناسبة لك بشكل كبير.
التقييم: 8.5/10
- 0 Comment
- غير مصنف
- 18 مارس,2026
